الجصاص
324
الفصول في الأصول
عنها دون من خرج عنها ، وانتقل إلى غيرها من الصحابة ؟ أو تعتبر إجماع أهل المدينة ممن كانوا بعد الصحابة ؟ فإن قال : اعتبر إجماعهم خاصة في زمن الصحابة ، وبعدهم ، ولا أعتد بخلاف من خالف ( 1 ) عليهم من الصحابة ممن خرج عنها ، قال قولا قد أجمع المسلمون على خلافه ، وقد ثبت عندهم بطلانه ، لأنه إن كان كذلك ، فواجب أن لا يجعل علي بن أبي طالب ، و ( عبد الله ) ( 2 ) بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، ونظراءهم ، خلافا ، وكفى بهذا ( 3 ) خزيا لمن بلغه . فإن قال : إنما أعتبر إجماع أهل المدينة بعد الصحابة ، لأن الصحابة كلهم أهل المدينة في الأصل . قيل له : فإنما اعتبرت إجماعهم بعد الصحابة ، لأنهم أخذوا عن الصحابة فهلا اعتبرت إجماع أهل الكوفة ، لأنهم أخذوا عن الصحابة الذين انتقلوا إليهم من أهل المدينة ؟ ! . وأما قوله : إن سائر الناس لما أخذوا عنهم ( وجب ) ( 4 ) لزوم اتباعهم ، كما لزم التابعين اتباع الصحابة ، لأنهم أخذوا عنهم . قيل له : فإن تابعي أهل الكوفة أخذوا عمن انتقل إليهم من أهل المدينة ، فلا فرق بينهم وبين من أخذ عنهم أهل المدينة ، فاعتبر إجماع أهل الكوفة مع أهل المدينة . فإن قال : إنما أعتبر إجماع أهل المدينة ، لأن النبي عليه السلام دعا لأهل المدينة ومدحهم فقال : ( اللهم بارك لهم في صاعهم وفي مدهم ) ( 5 ) ، وقال : ( من أرادهم بسوء أذابه الله كما يذوب الملح ( 6 ) في الماء ) ، ( 7 ) وقال : ( إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ) ، ( 8 ) وقال : ( إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ) ، ( 9 ) فإذا كان